أرشيف مدونة رابطة الكتاب العرب على الفيس بوك

الأربعاء، 29 أغسطس 2018

** حزمة رماد **. أنستازيا بطرس

 أنستازيا بطرس تكتب
** حزمة رماد **
لطالما حذرتني عائلتي وكل الناس منها، وكانت بمجرد ذهابها للسوق أو لأيّ مكان آخر يفر منها كلّ من يشغله أو يتواجد فيه، فيحشرها ذل الناس ونبذهم وقهرهم في إحدى زوايا كوخها القذر- كما يبدو ظاهره- فلِم تعامل بهذه القسوة؟ وماشأنهم بها؟ وما سرها؟ ألأنّها ماذا؟ هذا ما عزمت على كشفه، ولكن تلزمني عزيمة السبع على مهاجمة فريسة جامحة، وشجاعة عشرة رجال أقوياء، ومضت الأيام، وأنا أخطط لما افترشته في فكري كخطوة يجب أن ترسم على صفحة الواقع، وفي يوم خريفي ثائر، وضعت حذري في يمناي، وطيبتي وشفقتي عليها في يسراي، واتجهت صوب بيتها، طرقت برفق على باب الكوخ الهش، ونبضات قلبي تدق ناقوس الخطر، وتلح على قدميّ لتغادر، لكنني لم آبه بالثورة التي في داخلي وواصلت الدق، ولما يئست من فتحه، وهممت بالانصراف فاجأتني بكلمات ترحيب، وبابتسامة نابعة من شفتيها السمراء قد نظمت ضربات الفؤاد الهلع، ودعتني للدخول وارتشاف القهوة معها، أو مشاركتها غذائها المتمثل في رغيف خبز وبضع تمرات يابسات، فازداد توجسي منها، مفضلا محاورتها عند عتبة الكوخ فهذا أسلم لي وأأمن، لكنها اشترطت ألّا تكلمني إلا  في صدر البيت، حاولت التملص مما تريد لأجل تجسيد ما أريد ولو بعد حين، فنجحتْ في إقناعي برغبتها، ولما دخلت تفاجأت بمارأيت وأقعدني الذهول على الأرض.....
؛ حيوانات محنطة، أعشاب تلقي قبضتها على طلاقة النَفَس المنعش بروائحها القذرة ليختنق، أما العنكبوت فسعيدة بحريتها في هندسة نسيجها في أرجاء الكوخ، إضافة إلى الأثاث البالي والذي يقيم صداقة أعوام مع غبار متراكم عليه قد غيّر من لونه وشكله، وهيأتها تتناسب وما وُجد في بيتها المخيف، صراحة لم أر في حياتي أفظع وأقبح منه مكانا على وجه الأرض، فاجتاحني الدوار وتخذر كامل جسدي، استجمعت بعض الحروف وألقيتها في وجهها قائلا: أرجوك ساعديني على مغادرة هذا الجحيم، ردت عليّ: لِمَ ياشاب؟ لم أتحدث معك بعد وأحاورك، فقلت: لقد حاورني ما رأيته توا، قالت: ربما ما ستراه فيما بعد سيغيّر وجهة نظرك ونظر أهالي هذه البلدة تجاهي ياصيرم، فارتعدت فرائصي، وتأججت مخاوفي لما نادتني باسمي، وحضّرت مهجتي موشحات الوداع ومفارقة الحياة، حتى ساعدتني على المشي فقدماي قد فقدتا  ذاكرة وظيفتهما، وما إن تجلدت ورميت ببصري صوب ما أرته لي، حتى اندهشت وذهب عنّي البأس وعادت الحياة تدريجيا إلى جسمي، وسعدت بزيارتي لها، قالت لمّا أبحرت بنظراتها في محياي: هاه ماانطباعك الآن عني؟ أجبتها: إذن ماشاهدته في صدر الكوخ كان محض رماد تخفين به ملامح ما ستقدمينه لنا، قالت: نعم، فأنا لست دجالة كما نعتني الأهالي، ولامشعوذة أو متسولة، بل امرأة همها الوحيد يكمن في تسخير وقتها وذكائها لخدمة غيرها وتغيير الطاقات والأفكار السلبية التي توارثوها عمن سبقهم، فهي عادات سيئة قد استفحلت في هذه البلدة، وقد آذتكم كثيرا وأنتم تجهلون ذلك، قلت لها: متى ترينا ثمرة تعبك وشقاءك وجهدك المضني، قالت: لمّا يكتمل ما بدأته، ويتراكم الرماد حولي ليُكوّن حزمة، سيظهر بريق حقيقتي على سطحه يابني، فقط ليبقى هذا سرا صغيرا بيننا. وأكيد ستثمر البذرة من تحت الرماد يا صيرم......
ربما تتساءلون عمّا رأيته ليجلي حقيقتها، حسن إذا سمحت لي بكشف سرها حينها سأعلمكم، فقط لا تثقوا بما ترونه دائما........
بقلم: أناستاسيا بطرس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق