أرشيف مدونة رابطة الكتاب العرب على الفيس بوك

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

(((( خيانة. ))))




الشاعر / عمر بنحيدي / يكتب
*****
قصة قصيرة                     خيانة
              
غادر الاستاذ المحامي قاعة المحكمة ،حيث كان يترافع في قضية تزوير عقود .وقد كانت الفرحة تغمر جناحيه وتغمض عينيه إلا من رؤية طيف امه .رآها تبتسم ،فهنأ نفسه على  نجاحه .كان يتجه صوب مكتبه بشكل آلي ،لا يسمع  ضجة الجمهور الداخل او الخارج من القاعات ،وكذلك لا يرى امامه إلا مقدار مايمكنه من تحديد طريقه.وبينما هو في قمة نشوته وسعادته ،وإذا بيد تمسكه  من دراعه. من يتجرأ على فعل كهذا؟  إنه متسول.:« تتسول داخل المحكمة ؟ » وما إن حاول الرجل فتح فمه للكلام ،حتى أحس الاستاذ بقشعريرة تلف كيانه :« يا ابني اسمعني!» وبعصبية  أجابه:«هل لديك قضية ما ؟ وتريدني ان اترافع لك عليها؟».حرك الشيخ رأسه ان نعم .«إتبعني،».
  تفضل إجلس..أسمعك .
:« أسمي فريد الفرخ ..» بمجرد ان نطق هذا الاسم اهتز كيان الاستاذ هلعا،وامتقع لون وجهه،واشتعلت عيناه ببريق الذهول،:« قد يكون شبحا،هذا الذي بين يدي الآن؟». تمتم في سره،ثم رفع رأسه إليه يطالبه بالاستمرار .واصل الشيخ :« أصلي من دوار اولاد معاش.». طرق احدهم باب المكتب ،فتوقف الرجل .« أدخل» .وكان الزائر إمراة ،أنها أخت الاستاذ المحامي.« أختي  فاطمة!» وقف الرجل ليسلم على الزائرة مادا يده للمصافحة، ولكنها تراجعت إلى الوراء.فبادره المحامي:« إجلس أسيدي ،إجلس». أحس بالحرج وتدحرجت دمعة حارة على محياة المجعد،مخترقة لحيته الكثة ،وبدأ ينتحب متمتما،:« أنسيت أباك يا ابنتي ». تاثرت لقوله ،ودمعت عيناها ثم اجابته والعبرات تخنقها .:« أبي ،مات» وأعادها وراؤها:« مات ،الله اكبر،إنا لله وإنا إليه راجعون.»واصلت :« لو لم يوصنا الرسول عليه السلام بأن نذكر موتانا بخير. ،لتمنيت له جهنم وبئس المصير ». أزداد ارتعاش الشيخ وسمع انتحابه:‹« إياك يا ابنتي ان تدعي عليه،فمهما كان فهو ابوك،».قال أخوها:« ألابوة راه مسؤولية.» في الوقت الذي أكدت اخته قوله بحركة من رأسها ،أطرق هو خجلا من نفسه.أخرجت من حقيبتها منديلا وقدمته له ليمسح دموعه .
 « أختي لو عرفت اسمه لاستغربت!» حدقت في الرجل مليا ،رث الثياب ،كث اللحية ،ينتعل حذاء ممزقا  وبيده عصا يتوكأ عليها.لأول مرة منذ دخولها المكتب ستحس بارتعاش غامض وهي تنظر في وجهه.:« أخي ! كأنني أعرفه». ردد وراءها:« انا ايضا لي نفس الإحساس». توقف مليا ثم ،كأنه تذكر شيئا وخشي ان ينساه من جديد:«لو عرفت اسمه ستندهشين اكثر!» 
وهذا ما حصل ،لكن لفترة قصيرة فقط ،إذ سرعان ماتداركت الامر :« إنه تشابه اسماء فحسب». « سنرى » . ثم توجه إلى الرجل يستفسره عن مشكلته وحيثياتها. « ذكرني بإسمك!» كان شارد الذهن،عاد إلى سنوات خلت ،يوم كان يلاعب طفلة كان عمرها حوالي سنة ،ولكن مصى زمن على هذا  ......،« أنت يا سيدي ،ذكرني باسمك من فضلك »
«   إسمي يا ابني فريد، فريد الفرخ'» __« ماذا تريد؟ » _« أرسلني عند كم يا استاذ، السيد عبد العالي ،السيد الذي  دافعت عنه في قضية تامين،السيد الذي بترت رجله بسبب ألة للنجارة ». قاطعه المحامي مبتسما :« آه! تذكرته ،عبد العالي،إنه إنسان طيب .مادام اعطاك أسمي فهذا يعني انك مثله ،إنسان طيب».  _ ،«لهلا يحشمنامعك » .في الوقت الذي انشغلت فاطمة بالحديث في هاتفها الخلوي،بدأ الزائر:«كنت أعمل بوابا في معمل لإنتاج الإسمنت منذ حوالي 30سنة،والآن طردت ، شر طردة .» _« وما السبب؟» _« فقط لأني بلغت سن التقاعد ،لكن دون ان أحصل على اي تعويضات، » _ « وهل لك اولاد؟»  ازداد نحيب الشيخ إلى حد أثر من جديد في فاطمة ذات الإحساس المرهف ،فهمت بالمغادرة ،لكن شيئا ما شدها إلى العجوز._« نعم . ولد وبنت،الولد اسمه عبد السلام والبنت اسمها فاطمة.» تبادل الإخوة النظرات ،دون ان ينبسا بكلمة واحدة .« اكمل ،وزوجتك ما إسمها؟» .  _« ربيعة، وكنا بنواحي  هذه المدينة في دوار يطلق عليه « دوار اولا عبد المالك» . 
 إزداد اندهاش الاخوين ،فتراجعت الفتاة عن الذهاب،كما ان المحامي اتصل بمساعده الذي ينتظره في محكمة أخرى.طلب منه تأجيل كل القضايا هناك والاعتذار للقضاة بانه له ظرف طارئ لايحتمل التأجيل. بعدها توجه إلى الرجل:« ومتى جئت للعمل هنا؟.»  تنهد بعمق واخذ يحكي .:
«اشتدت سنوات الجفاف وتوالت.هلك الزرع والضرع.وانتشرت بعض الامراض  الناتجة عن سوء التغذية.وانتشر الهلع بين الناس، وبدأوا يتخيلون الصور التي تبث عن الحياة في بلدان ضربهتها موجة الجفاف. تردد فريد في اتخاذ القرار المناسب.وهكذا كان يرجئه، ولكن إلى متى؟ .
 وأخيرا حزم امره . لاحظت زوجته ربيعة  وجومه وسرحانه المتكرر،ارادت ان تستفسره ولكنها خشيت ان هي فعلت سيثور في وجهها :« الاترين .أم انك عمياء؟ هؤلاء الاطفال الجوعى  وانت نفسك وانا .ألا تحسين،؟ » كانت دائما هذه اجاباته المشحونة بالقلق على مستقبل اولاده وعليها هي ايضا.كانه قرا ما يجول في عقلها :« اسمعي ساذهب للمدينة بحثا عن عمل. وساعود لزيارتكم كل نصف شهر.سأتيكم بكل ماتحتاجون واعود الى عملي ». دون  إرادة بدات عيناها تذرفان الدموع.فلاول مرة تضطر للبقاء في هذا البيت بدون زوجها ،خاصة وانها تخاف المبيت لوحدها مع الطفلين عبد السلام  وفاطمة.
 رمقها بنظرة شزراء،فكفكفت دموعها،وبغضب واصل:« أنا لست ذاهبا إلى التنزه،انا ذاهب للعمل » ،لم يعطها فرصة لتوضيح رأيها ،بل استلقى في فراش النوم مدعيا انه عليه الاستيقاظ باكرا .
 فعلا اوفى بوعده.بعد اسبوعين عاد محملا بمختلف حاجيات البيت.وقضى مع اسرته أسعد يومين لم يعش مثلهما منذ عامين.ولكنهما انقضيا بسرعة فائقة.وعاد وكله حيوية ونشاط الى المعمل. أمره المدير  ان لا يتزحزح عن الباب ليلا ونهارا.وماذا سيفعل او اين سيذهب .وبما انه مطيع لاوامر صاحب المعمل فقد زاده في الاجرة. وهكذا صار العين التي لاتنام . ماذا؟ لايمكن. النوم ضروري ولكن بجب مقاومته .كيف ؟ جرب كؤوس قهوة سوداء مرة ،بالفعل فقد جاء المدير بعد منتصف الليل ليختبره فوجده مستيقظا.نجح في الاختبار.
ولكن في الاسبوع الموالي ،تراجع مفعول المشروب الاسود،خاصة وان الشاحنات تصل محملة بالمواد الخام  وعليه ان يفتح الباب ويراقب الشحنة وكميتها . وهكذا في اليومين اللذين يجب ان يقضيهما مع اسرته قضاهما في النوم بشكل متواصل ،حتى ظن صاحب المعمل ان القروي قد مات .وعندما رجعت فيه الروح،وبخه.:« إذا اردت ان تنام لديك مكانان، إما الذهاب إلى المقبرة وإما ألى قريتك ،وكلا المكانين سيوفر لك النوم الدائم ببطن فارغة» اعتذر ولو انه لم يفعل ما يستوجب ذلك .
  .لاحظ  ان هذه المقهى لا توفر فقط القهوة باصنافها وانما هناك المشروات الروحية، .كل العمال ،يبرر لنفسه،يتناولون بعض الكؤوس،ماذا وقع لهم ؟ لا شيء،لاشيء..اختار كرسيا قرب  المشرفة على المقهى،.إستغرب لمانادته باسمه" فريد!» ناولته كأسا به ، جرعة ،تهكم في نفسه من هذه الكمية البئيسة.:« انا الذي يلتهم عشرة كؤوس شاي منعنعة وحارة ،تمد لي ” جغمة (جرعة)”.لاحظت مدام ارجنتينا عدم قناعته :« اشرب وانا نزيدك، ولكن لخلاص الآن،» .حرك رأسه موافقا .ثم أدخل يده في جيبب سترته وأخرج كل مالديه  ووضعه امامها.،:« اسقني ،اسقني حتى ارى  ربيعة على الطبيعة  .،» سالته ،:« من هي ربيعة،؟» وصار يقهقه ،:« مدام ! مدام .... ،،» تذكر أيام  طفولته حين كان هو واقرانه يلعبون مرددين،:،« أن_ دو ،_ تغوا،لحليب ولقهوة  _ با مشى لسبتة _ شرى لي قميجة ،أنا واختي خديجة،،» ويعيد أخر الارقام بالعربية ويكمل :« واحد ،جوج ، ثلاثة ، با مشى لسبتة _ شرى لي قميجة ،انا وختي خديجة ..إلى جات مدام نعطيوها ليدام وإلى جا مسيو نعطيوه كسكسو..(١).....،» لاحظت المرأة شروده ،فبادرته،:« انت كفاك شربا اليوم » .وارجعت له  الباقي من  النقود.ثم نادت احد الحراس ليساعده على الخروج ويوصله قرب باب المعمل.
 اغلق عليه غرفته وارتمى فوق فراشه المكون من حصير وجزء من بطانية ومسند.إتكا على الحائط . أحس الرغبة في الحركة والكلام وأذا بزوجته القروية تقف أمامه :« اتق الله يارجل ! » ثارت ثائرته ،صار يصرخ  في وجهها.:« ألا تربن اني في قمة السعادة،؟» وتتعهد له بعدم إزعاجه مرة أخرى.وهكذا كل ليلة بعض الكؤوس.:« لقد زرتهم  في اول الشهر، اليس  لدي ما افعله غير الذهاب والإياب ». ولكنه مرة كل اسبوع تستضيفه مدام ارجنتينا عندها ليعوضها سنوات الحرمان، منذ ان شل زوجها وهي صائمة. فيقضيان ليلة تنسيه في ربيعة النكد .
    مضت سنوات لم يزر اسرته  ..كيف سيزورها وهو لايملك شيئا”»
سيوقفه المحامي:إذن أنت  هو  الهارب عن اسرته،المتخلي عن ابنائه،ساكمل انا ،فأنا أعرفه جيدا.
  «لا خبر عنه .سنوات وربيعة تنتظر. هذا العيد سياتي ،لا العيد القادم ،لا يمكنه نسيان ابنائه ،هذا غير ممكن .من ؟ فريد ؟ أنه رجل ونعم الرجال . لا.قد يكون م..؟ لا تكمل لاتكمل . وبدات الالسنة تشتغل ،والرجل مشغول باشياء أخرى.إلى ان جاءت الاشاعة الخبر :« ماااات ،وشبع موووووت،» .
انقضت ايام العدة وتزوجت ربيعة .وكان الزوج قد دخل على طمع فاحتال على الورثة ليمضيهم على وكالة عامة. وبين عشية وضحاها باع كل شيء ، و طلق ربيعة وشردها هي واولادها .ولولا خالهم،ولهذا يقال الخال  والد ،الذي آواهم  لضاعوا في السجون او تشىردوا في الشوارع.
   غصة زرعها الاب بأختفائه واحتيال زوج امهم  عليهم جميعا ليشردهم ،هذه الغصة اينعت ونضجت لتعطي في الاخير (عبد السلام) المحامي .فقد كان ذكيا ولامعا في امتحاناته .المهم     :« مانيل المطالب بالتمني      ولكن تؤخذ الدنيا غلابا»
وهذه اخته فاطمة.الاستاذة .أما أمنا لالة ربيعة  فقد  توفيت هما وكمدا على خائن للعشرة»
بعد سكوت ،تدخلت  فاطمة:«أتركاني اخمن النهاية.»
 « احيل  البواب على المعاش،الظهر انحنى  ،والسمع ثقل  و البصر ضعف . .أمره ابن صاحب المعمل  بإخلاء الغرفة لبواب شاب. اما مدام ارجنتينا فقد ورثها ابنها الاشقر، ماإسمه؟»تمتم الشيخ:« مسيو مارون» . 
غادر حاملا قفة يجمع فيها بعض ملابسه عائدا إلى بيته فوجده مسكونا ،وزوجته تزوجت وتطلقت وماتت، وابناءه تشردوا. تبناههم رجل حقيقي ،رجل يقدر الابوة حق قدرها وليس كالذي  أستحلى الخمر ونسي شركاء العمر. وهناك علم بأن عبد السلام صار محاميا مشهورا ووووو.....».ثم موجهة الكلام إلى أخيها:« ابونا مات من زمان،وأخذنا عزاءه،وابونا  الان هو خالنااحمدالذي رباناواهتم بتعليمنا ،اما هذا الوسخ فليس إلا نصابا،فاحذره، و تأكد انه من خان مرة سيخون مرات».
كان كلامها رصاصا اصابه في مقتل.  :«أختك يا ابني  أصدرت الحكم علي بسرعة البرق.ولكن اتمنى أن  تدافع عني  انت .» 
 اعتبر المحامي هذا الكلام استفزازا  لهما وإهانة للمرحومة امهما.حاول كبح جماح غضبه ،لكنه لم يفلح :« ادافع عنك ؟ بأي قانوووووون؟ وتلك المرأة التي تركتها عرضة للضياع ؟ من سيدافع عنها؟ واولائك الاطفال ؟ من سيدافع عنهم كلهم؟ هل فكرت يوما كم من مرة يموتون في اليوم وهم ينتظرونك؟  آه ! مظلوم  يا مسكين ؟  لما كنت بصحتك وعافيتك ،لماذا لم تدافع عنا وكنا في أمس الحاجة أليك. ام ان مدام ارجنتينا انستك في امنا الشريفة الطاهرة؟ هيا اخرج من حياتنا وعد من حيث أتيت .هيا، قم اخرج ....» وكان صراخه يسمع من خارج المكتب، ولكن  الرجل انتابته رعشة وبدا كأنه يرقص،ثم اغمض عينيه وتكور من فوق الكرسي. ولما حاولا مساعدته على النهوض وجداه قد فارق الحياة.
انتهت.
عمر بنحيدي            3/10/2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق