أرشيف مدونة رابطة الكتاب العرب على الفيس بوك

الخميس، 4 أكتوبر 2018

(((( سليم. ))))




الشاعر/ عمر بنحيدي / يكتب 
*****
الرواية.                             سليم 
الفصل 10 والأخير :
    انفض المجلس للمداولة. كل  سيؤول الحدث الطارئ وفق ذاته( خطبة لطيفة) .فجواب لحرش غامض ولا يبشر بالخير بالنبسة للخاطب أما سليم فهو إلى حد ما مرتاح ،فلايمكن للعروسة قبول أحد غيره.ولو انه أحيانا تساوره بعض الشكوك في طموحها،بالسفر الى  الخارج. اما فطومة فقد فسرت الامر على ان هذه حكمة ربانية،فلو كان فيها ذرة خير لكتبها الله له،والانسان يجب ألا يعترض على مشيئة الله.مسألة اخرى ستفحم بها ابنها لما يتوسل إليها لتعارض هذه الخطوبة وتحويلها لصالحه، وهي انها ستعصي اباها إن عارضت الحاج بوشعيب لأنه في مقام ابيها. أما فاظمة  فإن فرحتها لم  يسعها صدرها ،فكادت تختنق ،لو لم يسعفوها بقليل من العسل وماء الورد.موقف لطيفة   رأيناه في آخر الفصل السابق.
في اليوم الموالي سافرت فطومة عائدة من حيث أتت. بحجة  تفقد البيت .                     
      لم يكن لحرش غافلا عن النظرات المتبادلة بين ابنته والمعلم ، ولكنه تأخر في طلب يدها،لهذا السبب،عاد من المقهى عصرا إلى البيت ليجد المعلم  مع ( علي والصغير) يعلمهما جدول الضرب. تجاهله ونادى زوجته .أعطاها تعليمات بان تكون ظل لطيفة ،لا تفارقها ابدا .
ثم طلب من المعلم ان يرافقه عند السمسار ليسأله عن محل للكراء،وقد تذرع «بأن البيت سيعرف اكتظاظا بمناسبة العرس لهذا......» لم يعد يسمعه ،وهكذا سقط في التراب ما تبقى له من أمل في الظفر بلطيفة.   
كانت أول ليلة يقضيها لوحده في غرفة فوق السطح.بالفعل فقد بات بين السماء والأرض ،يشعر بوخزات في صدره وكأنها طعنات خنجر.لكن لا حيلة بيده ،لقد تأخر  واليوم يعاقب على تأخره هذا،ماذا كان سيحصل لو قرأ مع والديها الفاتحة.؟ولكنه متردد ،وهاهي نتيجة ذلك.
   بعد ثلاثة أيام سيأتي الحاج بوشعيب إلى المقهى للدردشة مع لحرش كعادته ،لا احد منهما تحدث عن الخطبة،فالمكان غير مناسب لذلك.وقد إنضم إليهما سليم الذي مل البقاء في غرفته العلوية لوحده، قبل يد عمه الحاج بوشعيب ،الذي أخذ يحكي له عن جده العيساوي سي قدور:« تعود صداقتنا إلى مرحلة الشباب .ورث مهنة ترويض الثعابين عن أسرته،يقول إن جده هو المؤسس للزاوية في هذه المنطقة.يقيم سي قدور رفقة زوجته« لالة الشريفة» الحلقة ،خاصة في ساحة السوق الأسبوعي،وهي الحلقة الوحيدة المستأثرة باهتمام الجمهور .يقف وسط الحلقة بقامة تحاكي نخلة،ببشرة سوداء و وجه مدور يخترقه أنف ضخم، عيناه جاحظتان وفروة طويلة ،لا يظهرها إلا في الحلقة ،أما في الأوقات  الأخرى فإنه يواريها تحت عصابة من التوب. أما لالة شريفة فهي تحكم  غطاء رأسها،وتلتف في حايك{ وهو  قطعة كبيرة من التوب المنسوج( غالبا ما يكون لونه أبيض} ،ووسط الحلقة وضعت أكسيسوارات العرض، وهي بقراج يغلي فيه  الماء وهو فوق النافخ، وكلاهما من معدن النحاس وإلى جانبه صندوقتين الأولى كبيرة،سنعرف ،فيما بعد أنها تحتوي الأفاعي الكبيرة والسامة،بينما تضم الصندوقة الأصغر  بعض الثعابين الصغيرة. ..« سيقاطعه سليم :”' جدتي ،امرأة عظيمة.""  ويتابع الحاج بوشعيب:                                                                                                « يبدآن الحلقة بالصلاة على النبي العدنان:« الله مصلي عليك يا رسول الله،» ويرددها بصوته الجهوري الذي يرعب الجمهور بينما يهيج الثعابين،ويجعلها أكثر  حركة،ثم يبدآن  بالنقر على الدفوف وهو يردد كلمات صوفية تمدح الرسول وتمجده.بعدها ينادي  أولائك الغير مبالين بما يحصل:« قربوا، قربوا، تعالوا لترووا ما لم يسبق لكم رؤيته    . تتضخم  الحلقة، ويكثر التدافع وخاصة من طرف النشالين الذين يستغلون الحالة النفسية التي يكون فيها الجمهور،لهذا لا يفتأ ينبه الغافلين عن جيوبهم:« رد بالك لجيوبك عندك  يلعبو بك.» إذ ذاك يضع البندير أو الدف ليحمل البقراج وبخار غليان الماء يظهر للعيان، و  ليطمئن المشككين في أن هذا الماء بالفعل مغلي إلى مائة درجة ،يملأ شدقيه منه مباشرة فيعمل على نفثه على الجمهور. فيتساقط رذاذا حارا يكوي الوجوه والجباه .أما( الشريفة) فتترنح وهي تسدد اللطمات الرطبة للبندير.  وكي يحمس الجمهور اكثر فإنه يطلب منه أن يصلي على النبي محمد( صلى. الله عليه وسلم ) ويتظاهر بانه لم يسمع شيئا وعليه ان يعيدها  وهكذا إلى ان يكررها ثلاثا، فيبدا بطلب التسليم لرجال البلاد وينادي على أجداده أن """يقفوا معه"" ويحموه من الأفاعي وسمها.  ...» تدخل لحرش مستغربا. :«   سي سليم حتى هو قادر عل مسك الثعابين. فلولاه لكنا دفنا لطيفة....» أحس سليم بشيء من الزهو،  فالفضل يرجع لله سبحانه وهو في إنقاذ لطيفة، ولهذا فهي سترفض ذاك المسمى حميد. اما الشيخ فلم يأبه بمثل هذا الكلام فتابع وصفه لصديق عمره:"                                                                                        أحيانا يكون ضمن الجمهور المتابع للعرض  نساء.وبدون شعور  يرتمين داخل الگور، ويبدأن في الجذبة بأن يتمايلن يمنة ويسرة وأيديهن  وراء ظهورهن ، و(الشريف) و زوجته  يعزفان إيقاعا ، يقال ،إنه يحرك الساكن .يتسارع العزف والرقص بوثيرة  تجعل الجمهور المتحلق نفسه يتمايل يمنة ويسرة ومنه من يشارك بالتصفيق ،والنسوة يزددن نشوةفتسفر  الرؤوس  والوجوه وهن غير مباليات بما حصل أو يحصل لهن .وتبقى عين (الشريف )صاحب الحلقة بحنكته يتابعهن وكلما  تبين أن إحداهن أوشكت على السقوط فإنها تلقاه جنبها يساعدها على الاسترخاء دون ان تحس ويغطي لها وجهها ،ويفعل نفس الشيء مع الأخريات .
أما في الحالات العادية فانه يشرب الماء المغلي  تحت عزف( الشريفة ) وتصفيقات الجمهور وهو يتصبب عرقا .وقد تكون (الشريفة ) زوجته هي التي تجذب لذا يلزمه ان يضبط لها إيقاع الجذبة  وفي الوقت نفسه يترنم بكلمات صوفية وبمجرد أن  يلحظ أن التعب بدأ يدب في أوصالها فإنه  ينزلها إلى الارض لتنام ويغطيها بتوب معد سلفا لهذا الغرض. يختم العرض بأن  يقوم بدورة او اثنتين على المشاهدين وهكذا كل يجود بما أفاء الله عليه .بعدها تقوم الشريفة وتمسك الدف محاولة إخراج نفس النغمة التي لا أحد غيرها يمكنه  فعل نفس الشيء.                                                                                          ويتكفل هو بإخراج الافاعي السامة .ثم يتبادلان الأدوار ،يترك لها الافعى تراقصها  وتخرج لسانها وتقدمه لها لتقبله تحت تصفيق وذهول الجمهور،ثم تقبلها في عينيها وهكذا تستبدل افعى بأخرى والجمهور يصفق مرددا جهرا وبشكل جماعي : الصلاة على النبي . وفي الاخير تقوم بدورات على الجمهور الذي يضع في الدف دريهمات والسي قدور يدعو مع الجميع .وينتهي المشهد"
اراد لحرش ان ينهض فمنعه الشيخ :" انتظر قليلا أسي لحرش،عند عودتهما للبيت يجدان فطومة في انتظارهما  .تعانقهما واحدا واحدا ،لكن أباها يخرج الافعى ويضعها حول رقبتها ثم تمسكها بيديها البضتين. ولكي تتعلم فانه يطلب منها ان تجذب كأمها وهو يعزف على الدف. وهكذا  بهدوء صارت ترافقهما الى الحلقة. إلى" أن وقعت الواقعة ،ليست لوقعتها كاذبة"وهذه حكاية اخرى سأحكيها لكم فيما بعد. اما الآن فعلي الذهاب إلى المسجد لصلاة العصر."                                                                     
بقي سليم يتساءل  عن هذه الواقعة التي سبق لأمه ان تحدثت عنها وها هو عمه الحاج بوشعيب ايضا يذكرها .
بعد غياب دام خمسة ايام عادت فطومة  من السفر،تفهمت موقف لحرش وزوجته فاظمة. وطلبت منه ان يدلها على سكن أبنها  الجديد. ما كاد لحرش يتوارى عن الانظار حتى التفتت الى ابنها توبخه على طريقة استقبالها .  « هذا سلوك جديد ،لم أعهده فيك من قبل. قل ماذا أصابك .» رفع إليها عينين منتفختين ،استنتجت أنه كان يبكي،فاهتز كيانها: « الرجال لا يبكون.» وكان رده طعنة لم تكن تنتظرها منه:« هل انا رجل؟ »_ « طبعا.» اذن كني صريحة معي واخبريني من هو أبي ؟ .»كان كله يرتعش وعيناه زائغتان .
لا تقلق يا ابني ستعرف كل شيء اليوم،إذن إمسح دموعك وأنصت إلي :«تذكر الطفلة التي كانت صديقة لابن الخاني ؟ ،» هز راسه ،ففهمت انه يتذكر كل شيء ،واصلت،:« حدث يوما ان كان الشيطان ثالثنا .وعدت إلى البيت منكسرة في الوقت الذي عاد فيه موسى مزهوا بإنجازه  الخارق. أغلقت علي غرفتي متظاهرة  بالنوم،بينما في الواقع  كنت أبكي الليل كله. وفي الصباح وعلى غير العادة بقيت في الفراش إلى أن اوشك الظهر. وعند تناول طعام الغذاء ،لاحظت أمي وجومي وفهمت ان شيئا ألم بي .بعد الزوال ،لما خرج أبي للتفسح مع أصدقائه ،دخلت علي الغرفة .أغلقتها من الداخل ،ثم أجبرتني على أن أبوح لها بالحقيقة. كم ولولت ،وبكت،وفي الأخير ذكرتني بحكمة كانت تقولها لي وترددها صباح مساء على مسامعي :(يا ابنتي نحن اناس فقراء ،لا نملك مالا ولا جاها ولكننا نملك ما هو أغلى وهو شرفنا،وقد أضعته  ومرغته في الوحل. علم أبي بالأمر فخنقني حتى كاد يقتلني لولا وصول عمي الحاج بوشعيب الذي خلصني من قبضته الحديدية ....» وسألها سليم وهو مطرق رأسه:« ألم تتصلي بالخائن ابن الخاني؟» واصلت ،والدمع يحفر أخدودا على الخدود:« هذا ما اقترحه الحاج بوشعيب، أولا ذهب الإثنان عند الفقيه ،حكيا له الامر ثم طلبا منه مرافقتهما  عند أب الشاب المتهور .استقبلهم الخاني خير استقبال ،قدم  لهم الشاي والحلويات. لكنه سيتجهم بمجرد أن شرح له الفقيه سبب الزيارة ، جحظت عيناه ثم عقد حاجبيه ،حدق في الفقيه ثم عمي بوشعيب ،أحنى رأسه مليا ،أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابا ،بدأ صدره يرتفع وينخفض. من الغيظ ،توجه إلى أبي الذي كم مرة قدم له يد المساعدة ،وتعامل  معه  كما لو انه لا يعرفه، بل إدعى أننا نطمع في خيراته وانه لا تشرفه مصاهرة عائلة تعيش على سم الافاعي :«موسى أشرف منكم ، أيها الحثالة،تريدون  إلصاق تلك العاهرة بأبني ،إنها وسيلة للاستلاء على أملاك ابني التي هي أملاكي الآن.» .حاول الفقيه إقناعه،لكنه ،طالبهم بالحجة على ان ابنه هو الفاعل.. رد عليه عمي بوشعيب:« أسي الخاني ! كلنا  نعرف ان الشابين يلعبان مع بعضهما طيلة اليوم.» أما أبي فقد تضاءل وتقزم إلى ان صار أصغر  من نملة  .:« أنتم متآمرون ،سأشكوكم للقائد ، وسترون كيف سينصفني منكم . إلى ذلكم الحين أغربوا عن وجهي »ثم حمل عصا  يهددهم بها وهكذا طردهم  .                                  
في اليوم الموالي شكاهم  للقائد الفرنسي الذي هدد ابي بأن يبتعد عن طريق مساعده الرئيسي  وإلا فإنه سيسجنه هو و ابنته. ولما بدا السكان يتضامنون معنا ضد الخاني فأنه أغرى الشباب العاطل بالمال  لينشروا  ويذيعوا أن ابنة السي قدور عاهرة وحامل  وان والديها يبحثان لمن يلصقانها .                         
صار بيتنا ونحن أيضا هدفا لأحجار هؤلاء  ومع ذلك صمدنا..» وكي يريحها ،لأنه لاحظ أنها أجهدت كثيرا، سألها:« وما موقف النذل موسى؟ أمي ؟» واصلت متحسرة :« موسى ليس نذلا، بل هو شهم   ..»  « بعد كل ما حصل  منه؟»   _ موسى لم يرفض  الزواج   بي ولكنه كان مطاردا من طرف ابيه الخاني. لقد طرده من البيت وهدده بالسجن  وأن يتبرأ منه إن هو اعترف بشيء ما. كم  توسلت امه ناكر الجميل ذاك بألا يطرده ولكنه هددها هي أيضا إن تعاطفت معه أن يلقي بها إلى الشارع. وهكذا اضطر موسى ان يعيش كما عاش ابوه مشردا،هائما على وجهه . وكان ينتظر ان يغيب ابوه في سفر أو مهمة  ما ليزور امه التي تزوده بكل ما يحتاج من مال  .وبقي على هذه الحال الى ان قتل الخاني ،هل تدري من قتله ؟ » .رفع راسه أليها متسائلا : وكيف لي ان اعرف .؟» ولأول مرة ستضحك ملء فيها وهي تكشف له هذا القاتل البطل :« بعد ان شدد علينا الخناق،منع ابي من القيام بالحلقة،ودارنا مرمى لحجر المتشردين الذين سلطهم علينا ،و بما  ان هذا لم ينفع معنا ،فقد أوعز إلى القائد أن يطردنا مرة واحدة من القرية .أخبرنا  المقدم بقرار القائد وانه اعطانا مهلة يومين ،وإلا سيهد البيت فوق رؤوسنا .رحلنا وتركنا سيكا، سيكا تحرس البيت إلى حين عودتنا . بعد ان مضت اشهر وتأكد باننا لن نعود ابدا، أراد ان يضم بيتنا إلى ضيعته أقصد ضيعة زوجته .امر بهدمه  وكان يشرف  بنفسه على العملية،خاصة وانه سمع اننا تركنا كنزا بالبيت.  و لما تأكد من وجوده في أحد الاركان ،فإنه صرف العمال وبالليل جاء لوحده ليسرق الكنز. وقد وجد سيكا ،سيكا في الانتظار .وهذا هو سر بقاء بيتنا لم يلحق بارض الخاني.» ولماذا لم تعودوا الى بيتكم مادام العدو قد مات ؟» :« لا تنس ان القائد البير كان يبحث عنا لأننا سبب موت جاسوسه ويده التي بها يسرق أجود الاراضي..
أسمع يا ابني انت الان  عرفت كل شيء،،لم يبق إلا التعرف على أبيك ،فما رايك؟"
إتفقا على التعرف عليه في اليوم الموالي. ولما هما بالنوم جاء ( علي والصغير) يخبرانهما بأن الحاج بوشعيب وسي حميد  وناس كثر جاؤوا لخطبة لطيفة اختهما الكبيرة. وان اباهما يلح عليهما في الحضور حالا.
سأل سليم عليا :« هل وافقت لطيفة؟» أجاب الطفلان معا أن نعم. أظلمت الدنيا امام عينيه واصيب بدوار، جراء  خيبة الأمل التي مني بها.
« أسمع يا بني الحياةلاتعطينا كل شيء..إحمد الله انك وجدت أباك ،وسيعترف بك .فقد زرته  طيلة غيابي .وهاهو عقد زواجنا .” 
ألم يتزوج بعد؟»  « لا. بقي وفيا لحبنا ،مؤمنا بأننا سنلتقي يوما.وما أفرحني اكثر هو انه  أرجع لكل ذي حق حقه  .  غدا إن شاءالله سنبحث عن الصندوق الذي يضم مجوهرات أمي ،ثم نذهب عند موسى ابيك،فقد قرر أن يستقبلك بإقامة عرس  كبير».
انتهت بحمد الله فصول هذه الرواية.
ملحوظة: كل تشابه في الاسماء للشخوص او للامكنة هو محض صدفة. .
مسالة اخرى: من فضلكم إن كانت هناك ملاحظات ،فلا تبخلوا علي بها.شكرا.
عمر بنحيدي.                23/9/2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق