أرشيف مدونة رابطة الكتاب العرب على الفيس بوك

الأحد، 7 أكتوبر 2018

((رؤيتنا للأشياء انتقائية))

دكتور/حسين علي يكتب /.........
رؤيتنا للأشياء انتقائية
دكتور
حسين علي
أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس
Plato_48@yahoo.com
العين ليست آلة صماء كالكاميرا تُصَوِّر الواقع كما هو، وتنقله بحذافيره إلى المخ، بل إنها مصبوغة بلون معين؛ لون بيئتها (أي بيئة صاحبها، ومعتقده الديني، وتربيته، ومستواه الثقافي، ودرجة تعلمه، وطبقته الاجتماعية ...إلخ) ووفقًا لهذا اللون الذي يصبغ أعيننا، نرى أشياءً دون أشياء، رغم تجاور هذه وتلك أمام ناظرينا!! إننا لا نرى كل ما هو ماثل أمام أعيننا، بل نرى ما نرغب في رؤيته فحسب. بعبارة أكثر دقة يمكننا القول: إننا لا نرى ما هو ماثل أمام أعيننا وإنما نرى ما هو كامن وراءها، أي نرى الواقع كما تصوره لنا الأفكار التي تم غرسها داخل رؤوسنا وتم حشوها بها. 
 إننا لا ندرك كل شيء حولنا، إننا ننتقي ما نريد إدراكه، ونترك ما عداه حتى وإن كان ماثلاً أمام أعيننا، وقد يبدو هذا القول غريبًا أو محيرًا للوهلة الأولى، ولكن الواقع المعيش والتجارب التي أجريت أثبتت صحة ذلك، وتُعْرَف هذه الحالة في علم الأعصاب المعرفي باسم «عمى التغيير» Change Blindness وهى ظاهرة من ظواهر الإدراك الحسي تقع عندما يحدث تغيير في المشهد لا يستطيع المرء ملاحظته. وهذه العملية لا تجري طوعًا، بل تحدث دون وعي أو انتباه من جانبنا. وغالبًا ما ينصب اهتمامنا ويتركز على شيء أو أشياء محددة تهمنا، وينصرف انتباهنا عن الأشياء الأخرى رغم كثرتها؛ أو قد يكون بسبب كثرتها. ومن ثمَّ نفشل في إدراك التغيرات التي تطرأ على المشهد المحيط بنا. ويُعَد الفيلسوف الأمريكي «وليم جيمس»   (1842- 1910) أول من ذكر عدم القدرة على الكشف عن التغيرات في كتابه «مبادئ علم النفس» (1890). 
لقد قام عالمان من جامعة هارفارد، وهما "دان سايمانز" و"كريس" بتجربة علمية توضح كيف أن عمل الدماغ يختلف قليلاً عما تراه العين في الحقيقة، وهى تجربة طريفة. فطلبا من شابين القيام بتجربة على عدد من المتطوعين الذين شاركوا دون علمهم بطبيعة التجربة - تم الكشف عنها لهم لاحقًا - وأثناء تعبئة المتطوعين لنموذج يقوم أحد الشابين بالانحناء تحت الطاولة ليقوم صاحبه الذي كان مختبئًا بالوقوف، وهكذا بالتناوب. وأسفرت نتيجة هذه التجربة عن أن  75% من المتطوعين لم يلحظوا أن الشاب الآخر ليس هو نفسه الشاب الأول، أي أن أعين المشاهدين لم تلحظ الفرق الكبير في الأشياء التي أمامها، وهو ما فسره العالمان على أن العين لا ترى كل ما هو ماثل أمامها؛ لأن تركيز كل متطوع كان منصبًا علي النموذج المراد تعبئته، لا على الشابين، وما إذا كانا هما شخصًا واحدًا أم شخصين. كانت دهشة المتطوعين كبيرة حين اكتشفوا أن من استقبلهم عند قدومهم شابان وليس واحدًا، وأنهم لم يلحظوا هذا الفرق الكبير بين الشابين الأول والثاني!
ترى كم عدد الأشياء الحاضرة أمام أعيننا يوميًا  ولا نراها ؟!
في حياتنا اليومية تتوافر أمثلة كثيرة لظاهرة «عمى التغيير»، فإذا كنت على موعد مع أحد الأشخاص وتنتظره في مكان ما، فإنك تترقب قدومه، ولاترى سواه، فإذا كنت تعلم أنه سيأتي راكبًا سيارته، فلن ترى سوى نوع وحجم ولون سيارة من أنت في انتظاره، أما بقية السيارات، بأنواعها وألوانها وأحجامها المختلفة فلن تلتفت إليها وكأنها غير موجودة بالشارع. أما إذا كنت تعلم أنه سوف يأتي مترجلاً، فسوف تتفحص كل من يماثل من تنتظره في قوامه وهندامه وطريقته في السير، لدرجة أنه لو مر بك أحد أصدقائك أو زملائك أو جيرانك ملوحًا لك بالتحية فلن تنتبه؛ لشدة استغراقك في التركيز على فحص من يماثل الشخص الذي تنتظر. هذه تجربة نعايشها مرارًا في حياتنا، وهي تدعم ظاهرة «عمى التغيير».
 في إحدى دورات التنمية البشرية كنت أقوم بشرح ظاهرة «عمى التغيير»، وكيف أننا لا ندرك كل شيء حولنا بدقة، بل نتصور أشياء في أذهاننا، ونظن أنها حقيقية، ونسقطها على الواقع، ونتعامل معها بوصفها وقائع حقيقية. وبعد انتهائي من الشرح طلبت متدربة شابة، وكانت طبيبة ومتزوجة، الكلمة للتعقيب على ما جاء في المحاضرة، فقالت: إنها وزوجها ذهبا بالسيارة إلى أحد المحلات في وسط البلد لاستبدال قطعة ملابس تم شرائها في يوم سابق من المحل نفسه، قالت لزوجها، انتظرني داخل السيارة ولن يطول غيابي، سأعود إليك في الحال، بخاصةٍ أن الجو رطب وشديد الحرارة. بالفعل لم تتأخر، جاءت مسرعة، وألقت بنفسها داخل السيارة، وأغلقت الباب بقوة، وقالت هامسة وهى تتنهد بارتياح شديد:
      -  «اطلع بينا على البيت بسرعة أنا سوف أموت من الحر»
فصعقت فزعًا حين سمعت صوتًا أجش يقول:
- «يا فرج الله .... السيارة تصطاد البنات لوحدها يا جدعان»
قفزت من السيارة وهى تصرخ مهرولة لا تلوي على شيء، فتلقفها زوجها - الذي أتى إليها مسرعًا - بين ذراعيه، لأنه فوجئ بركوبها السيارة البيضاء التي تشبه سيارتهما. وقد غرق زوجها في ضحك هستيري، وانخرطت هى في بكاء مرير.
 كلنا مصابون بـ «عمى التغيير»، لكن بدرجات متفاوتة، إننا نعجز عن رؤية أشياء ماثلة أمام أعيننا، فكيف نحكم على أحداث ووقائع تمت منذ مئات السنين؟ .. إن ما يمكن استخلاصه من ظاهرة «عمى التغيير» هو أن هناك أشياء قائمة وماثلة أمام أعيننا الآن ولا نستطيع أن نراها. ومع ذلك نتعارك ونتحارب ونتقاتل ونختلف ونتخاصم حول أشياء لم نرها، لأنها حدثت منذ أكثر من ألف سنة، نتعارك ونتحارب ونتقاتل حولها وكأننا رأيناها وعايشناها .. هل ثمَّة حماقة أكبر وأفظع من الاقتتال حول مسائل عرقية ومذهبية. وقائع حدثت منذ مئات السنين لم نرها؛ لأننا ببساطة لم نكن موجودين أصلاً حين حدثت، ومع ذلك تسيل الآن – ونحن في القرن الحادي والعشرين – دماؤنا أنهارًا، وكأننا على دراية بمن على حق ومن على باطل!!
لابد أن نعرف أن دائرة إدراكنا محدودة، وهذا يصل بنا إلى نتيجة بالغة الأهمية، تقول بضرورة أن يكون تسامحنا عظيمًا، وتواضعنا أعظم، علينا أن نتسامح مع الآخر، ونكون أكثر تواضعًا معه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق